الجمعة، 8 أغسطس 2008

الدكتور عبد اللطيف جاسم كانو .. أمين بيت القرآن




يحب كثير من الناس المخطوطات النادرة حبا جما, والدكتور عبد اللطيف كانو , واحد منهم . ولكن هذا الوّراق الذي يجمع بين العراقة والحداثة والذائقة الرفيعة في مكان واحد , وشخصية واحدة , يتجاوز حدود الحب الى تخوم الشغف . وهو يعبر عن هذا العشق العفي بتبجيل منقطع النظير , يمكن أن نعثر على بعض ملامحة في الصفة التي يحب أن ترافق اسمه على الدوام : أمين بيت القرآن ..

في كل البورتريهات, كنا نتوجه لرصد ملامح الشخصية التي نكتب عنها . ولكن هذا لا يمكن مع الكتابة عن الدكتور عبد اللطيف جاسم كانو . فالارتباط بين الرجل والصرح العظيم حميم وتاريخي وشفاف وعميق , الى الدرجة التي تحول دون فصل احدهما عن الآخر . وعلى الرغم من التخصص الاكاديمي والفكري الرفيع الذي يتمتع به الدكتور عبد اللطيف , والانشغالات العملية والفكرية المتعددة , فانه يمارس تفاصيل حياته حاملا لرسالة بيت القرآن ومبشرا بها حيثما حل واينما ارتحل . إننا بهذا الوصف لا نختزل شخصية الرجل في البيت , ولا شخصية الصرح بناسكه وفيلسوفه , ولكن نقارب بين اقنومين في واحد , وروح في كيانين ..

اما البيت والصرح الجليل الذي كان الدكتور أحد مؤسسيه , وصاحب فكرته , والمبشر الاول برسالته , فيمكن أن يدلك على اعمق تفاصيل شخصية امينه العام منقوشة على شغاف جدرانه وفي افياء قاعاته وأروقته .. فتشعر أن الكيانين الجليلين يتبادلان الافصاح كل منهما عن الآخر برفعة وسمو وعرفان مقيم مقيم ..

في محاضراته وأحاديثه التي يتحدث فيها الدكتور عبد اللطيف كانو عن بيت القرآن يردد دائما أنه يضم خمسة عناصر يكمل بعضها بعضا . وفي كل مرة سمعته او قرأته , كنت أضيف اليها عنصرا سادسا اصيلا وملهما يتجافى الدكتور الطيب عن ذكره تواضعا . على ذلك ؛ فبيت القرآن يشتمل تقريبا على نحو 6 آلاف مخطوطة من أندر المخطوطات العربية والإسلامية ، إضافة إلى حوالي 50 ألف مجلد من مختارات ما أنتجته المطابع العربية والأجنبية بمختلف اللغات..

وحين يبين هذه العناصر مبتدئا بمسجد عبد الرحمن جاسم كانو، وقاعة محمد بن خليفة آل خليفة للمؤتمرات والندوات، ومكتبة الفرقان الجامعة لما يتعلق بالقرآن الكريم، ومدرسة يوسف بن أحمد كانو لعلوم القرآن وتحفيظه، ثم متحف الحياة المكون من 10 قاعات واسعة، بينها قاعة مكة المكرمة للمخطوطات النادرة، وقاعة المدينة المنورة التي تشتمل على كنوز لا تقدر بثمن من المصاحف النادرة، وقاعة القدس الشريف , التي تحتوي كل ما هو نادر ولا مثيل له من تراثيات فنون الخط والكتابة والمقاييس العربية .. كنت اهمس لمن معي مستدركا : ثم العاشق الصب لكل هذه العناصر وما تحتويها : الدكتور عبد اللطيف كانو ..!

يعتبر الدكتور عبد اللطيف كانو ثاني ابرز علمين عربيين ـ الاول ناصر الخليلي ـ عرفهما العالم عبر مجموعتيهما الخاصتين من المصاحف النادرة والتي لا تقدر بثمن . ولكنه العربي الاول الذي تنازل عن مجموعته المتناهية القيمة من المصاحف والمخطوطات النادرة , وقدمها هدية الى مؤسسة ما .. ومع ان المؤسسة التي قدم لها الدكتور كانو هديته هي بيت القرآن , فان هذا لن يؤثر على مقدار ما في مبادرة الرجل من ايثار ونبل واريحية نادرة ..

واذا كان يفترض بهذه الهبة , ان تعطينا فكرة عن الرجل , فهي ولا شك تعطينا ايضا فكرة موازية عن البيت , الذي يعتبر الاول من نوعه في العصر العربي الحديث , والذي يعيد الى الاذهان تذكاراتنا المتخيلة عن " بيت الحكمة" الذي انشأه الخليفة العباسي ابو جعفر المصور في بغداد عام 786 , وعن "دار الحكمة" التي انشأها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في القاهرة .. فبيت القرآن ليس مجرد متحف , او بناء معماري اسلامي بشكله ومحتواه وهندسته فحسب . انه صرح تاريخي وثقافي وخزانة مخطوطات تحوي امهات من الكتب التراثية الخالدة , ومجمع فكري استقطب العديد من مفكري العالم الاسلامي الذين حجوا اليه من كل فج عميق ليشهدوا على ريادة هذا البيت , ويشاركوا في نشاطاته وندواته .. وبهذا المعنى فبيت القرآن , هو المكافىء البحريني للمكتبـة البريطانية بلندن والمكتبة الوطنية بباريس ومكتبة الفاتيكان بروما، ومكتبة شيستربتي بدبلـن , ومكتبة متحف استنبول بتركيا , ودار الكتب المصرية معا .. بل ربما يتقدم على كل هذه العناوين الخالدة من واقع كونه الدارة العالمية الاولى التي شيدت لتكون رمزا للمحافظة على القرآن الكريم عبر العصور. وبهذه الرمزية فالبيت لا يعتني بالحفظ المادي للقرآن , من خلال اقتناء المصاحف النادرة فقط , بل يعتني ايضا بالحفظ المعنوي للقرآن , من خلال مسجد عبد الرحمن كانو , و مدرسة يوسف بن احمد كانو لعلوم القرآن وتحفيظه ..

ولد ناسك بيت القرآن وفيلسوفه وامينه العام في 22 ديسمبر العام 1935 بالمنامة. حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 1970 . وحصل على الماجستير في الهندسة الإنشائية والمدنية من جامعة بتسبرج في ولاية بنسلفانيا بأمريكا ، و شغل منصب وكيل وزارة الإسكان والبلديات والبيئة ما بين العام 1975م وحتى سبتمبر العام 1996، وأصبح عضوا في مجلس الشورى البحريني في سبتمبر عام 1996 . ولعل نشأته في اسرة ارستقراطية ثرية , منحته ذائقة خاصة , قد يرى فيها البعض نوعا من الترف . غير ان الدكتور الذي تقاطعت اهتماماته الفكرية مع تخصصه الاكاديمي , وملكاته في البحث والدراسة , طور هذه الذائقة على نحو متماسك , ووظفها لاجتراح الفكرة التي انبثق عنها بيت القرآن , بما هو صرح حضاري بحريني المنشأ والصفة والوجود , اسلامي الهوية والجوهر .. كما كانت هذه الذائقة موئلا لفتوحات بحثية ودراسية انجزها الدكتور عبد اللطيف كانو , من مثل دراسته القيمة عن الارقام العربية ودلالاتها الحضارية , والتي اودعها كتابا يحمل عنوان :" الأرقام العربية نبع الحضارة الانسانية" , ومصفوفة أخرى من الكتب المتخصصة من مثل : " على خطى الرسول صلى الله عليه وسلم" ، " المنتخب من الفنون الإسلامية" ، " الرسائل النبوية الأولى ـ دعوة إلى الإسلام" .. وغيرها ، إضافة لاعتباره واحدا من ابرز خبراء المخطوطات على مستوى الوطن العربي , وربما العالم ..

وحتى تصل الى مشارف الشخصية التي جمعت كل هذه الفرادة , فلك ان تفكر بالعلامة محمود شاكر , ممزوجا بناصر الخليلي , مع شيء من الصاحب بن عباد , وبعض من ابن حزم الاندلسي , وعليهم نكهة من الاماراتي جمعة الماجد , واللبناني الشيخ ناصيف اليازجي , والاردني "الدكاترة" ناصر الدين الاسد .. انه رجل بنى سيرته مدفوعا بذائقته المرموقة , وملكته الرفيعة , وايمانه العميق , ودور ريادي اختاره لنفسه في الحياة , فاصبح مرادفا لاسمه وحيثيته وصفاته .. فكان بحق : امين بيت القرآن ..